الشيخ أحمد فريد المزيدي
334
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
عند المذمة من الخلق ، لوجود حسن المعرفة بالفضل ، ووجود الكراهة عند المحمدة ، لخوف فساد المعرفة بذهاب رؤية الخلق عند مصادفة الأحوال ، فهذا علم مشهود عند شاهد المخلص معدوم عند شاهد الخلق . فالصدق والإخلاص يتفقان في حال المخلص ، وينفرد الصدق بالصادق ، مع أول وجود الإخلاص ، فغاية وصف الموصوفين بالعبودية في الاستعباد هو الإخلاص ، والصادق في حقيقة صدقه يتولى بالإخلاص ، والمخلص في حقيقة إخلاصه يتولى بالكفاية ، لوجود نفاذ البصيرة ، وذو البصيرة في حقيقة نفاذ بصيرته يتولى بالحياطة مع جميع ما يخشى فساده ، ثم وقع الاستيلاء بالتولي بعد ذلك ، فقهر العقل فأفناه عن مقاومة الواجد ، فعند وجود حقيقة التولي بالخصوصية ، خرج عن عبادته للّه بالنفوسية ، ودخل في عبادته عز وجل بالوحدانية ، فكان ذلك أول وجوده حقيقة توحيد الخصوص ، بذهاب رؤية الأشياء لقيام رؤية الحق . فجرت الأحوال عليه في مجاري صفاتها ، لمراد مليكه فيها ، بسقوط صفاتها منها ، فعند وصول العبد إلى هذا ، خرج عن صفة وجود ما يوصف بالعقل ، فصارت عوارض العقل عند وجود حقيقة التوحيد ، وساوس تحتاج إلى أن يردها ، لأن العقل كان قيم العبد عند قيام العبد بالعبودية ، من حيث العبد ، فعند وقوع حقائق الملكية من اللّه عز وجل له ، ذهب العبد في العبودية من غير المعدن الأول ، فكان موجودا في الصفة معدوما من المشرب ، فصار عند ذلك موجودا مفقودا . * * * [ رسائل الإمام الجنيد ] رسالة الجنيد إلى عمرو بن عثمان المكي « 1 » أوتيت من العلم أعلى منازله ، وتناهيت من الرّسوخ في المعرفة إلى غاية أماكنها ، وأدنيت في مجالس القرب إلى أزلف مواطنها ؛ وتبوئ بك من كمال جوامع الأنباء إلى استيعاب معالمها ، فجرى ذلك لك بالتمكين وأنت مستبصر ، وعلوت في سمو انتهائه مشرفا مستظهرا ، قد تضمنته بقوة الاشتمال عليه فأفضي إليك ، واستغنيت عن السعاية إليه بمنيع صولة التمكين ، لأنك لذلك كله بواضح الحق مستبين ، ولأنك فيما اختلف فيه من العلم على صحة اليقين . وجعلك اللّه مع ذلك ممن سعد به إخوانه ، ونالوا البغية من العلم بوصفه وبيانه ، وانكشفت لهم الحقائق المشفية من تعبير لسانه ، وأنس منهم من غاب أو حضر بشرف مكانه .
--> ( 1 ) من نشرة عبد القادر عن المخطوط رقم ( 227 ) .